الرئيسية » الاخبار » اخبار الشحر » المعيان .. ورحلة العشرين كيلومتر القصيرة
المعيان .. ورحلة العشرين كيلومتر القصيرة

المعيان .. ورحلة العشرين كيلومتر القصيرة

المعيان: هي احدى قرى مديرية الشحر م / حضرموت، بلغ عدد سكانها (1261) نسمة حسب تعداد السكان للعام 2004 م، وتبعد عن مدينة الشحر حوالي (20 كم) شمالا، يعمل أغلب سكانها في حرفة الزراعة. ظهرت هذه القرية كمنطقة زراعية في فترة حكم الامير حسين ناجي بن عمر بن بريك احدى امراء إمارة آل بريك التي كانت تتخذ من الشحر عاصمتها (1781 م -1892 م)، وقد إمتدت فترة حكم الامير حسين من (1242 ه-1283ه)، وخلالها تم شق المعايين الزراعية ، وعمل بها مزارعي القرى المجاورة كفلاحين حتى توسعت بساتينها ومزارعها من فترة إلى اخرى عن طريق بعض الاسر الثرية التي تسكن الشحر. ولم نتحصل على اي معلومات حتى هذه اللحظة تفيد بأن هذه القرية كانت موجودة قبل حكم إمارة آل بريك.

السابعة والنصف صبيحة يوم الاربعاء الموافق 27 يناير 2016 م، شددت العزم برفقة صديقي الأستاذ جاسم السكوتي لنبدأ رحلتنا بواسطة دراجته النارية المتواضعة، تحت سماء ملبدة بالغيوم غابت عنها أشعة الشمس المعتادة، وأجواء رائعة تروق للنفس، إنطلقنا بإسم الله من مدينة الشحر والبسمة تعانق شفاهنا متجهين نحو الشمال، وكنا نتبادل الحديث عن تلك المناطق وطبيعتها الخلابة، وعقب ربع ساعة تقريبا من نقطة إنطلاقنا، بانت لي وعلى الجهة اليمنى من خط سيرنا على مسافة ما فوق موقع مرتفع تكسوه الاشجار والقلاع قرية تسمى (تبالة)، وهي منطقة زراعية قديمة لها تاريخها العريق مدونة في كتب المؤرخين والباحثين، تلفت الناظرين من على مسافة لروعة موقعها المحمي والمعتلي عن مجرى الوادي. وإستمرينا في سيرنا نحو الشمال مع الإلتفاف قليلا إلى الشمال الغربي مرورا بسلسلة من التلال والمرتفعات التي تملأها القلاع الاثرية الخاصة بحراسة ومراقبة مدينة الشحر وقراها وطرق سير القوافل إبان حكم الدويلات والسلطنات التي تعاقبت على إدارة الشحر قديما. لنصل بعدها إلى منطقة الدكداك وهي منطقة بها بعض آبار مشروع المياه الذي يغذي مدينة الشحر. ثم مررنا بمفرق يقع على يميننا يؤدي إلى قرية (عرف) بفتح العين والراء وسكون الفاء، ويؤدي لمناطق اخرى ..

ومازلنا على خط السير ولم نخرج عنه يمينا او يسارا، إلى ان وصلنا إلى أطلال قرية قديمة خلت من ساكنيها منذ فترة طويلة، ويطلق عليها قرية (شكلنزة) تولدت حولها الحكايات وإختلفت، حيث يقال انها كانت مليئة بالبساتين والاراضي الخضراء، ويقال ان الاهالي فيها طغى عليهم السلوان وجعلهم ينسون أعمالهم وأشغالهم وإنشغلوا به اكثر من أي شي آخر، ويبيتون الليل في رقص (شروحات) ولهو ومجون، ويقضون نهارهم في النوم حتى افسدوا، وبفسادهم سلط الله عليهم حشرة النمل الابيض (الأرضة)، فخرب بيوتهم حتى هجروها لصعوبة العيش بمعية النمل ، ولاتوجد أدلة أو براهين على صحة هذه الواقعة، وربما قد تكون خرافات أو معتقدات إلتصقت بهذه القرية وتفنن في وضعها الرواة .. والله اعلم. وبعد مرورنا بموقع قرية شكلنزة التي تقابلها مباشرة قرية صغيرة تسمى (الحوة) بفتح الحاء وتشديد الواو يسكنها أهلها. و واصلنا مسيرنا نحو الكيلو التاسع عشر لتطل علينا في الجهة اليمنى وعلى مسافة ليست بقريب من الطريق الرئيسي تحت سفح الجبل غابة صغيرة وجميلة من النخيل والاشجار، وهي قرية يطلق عليها (الحبس) بكسر الحاء، الغريب في تلك القرية ان جل ساكنيها هم من عائلة واحدة ، وهي اسرة (آل الظفاري).

ولم نتوقف عن خط سيرنا إلى ان وصلنا مبتغانا لتطل علينا قرية المعيان أو مايسمى اليوم ب (معيان المساجدة) لكثرة ساكنيه من اسرة (آل مسجدي)، لنحط رحالنا في مدرسة الإمام الشافعي الاساسية للبنين في البرقة (مدخل المعيان)، وإلتقينا بمديرها الخلوق والمتواضع الاستاذ / خالد عوض بن ضبيع ومجموعة من المعلمين الطيبين الذين رحبوا بنا وفتحوا لنا صدورهم لتقديم الخدمات لنا وتسهيل الصعوبات، مستبشرين بقدومنا والفرحة تغمر وجوههم، وقد حدثونا عن طبيعة التعليم في القرية والمناطق المجاورة، والصعوبات التي تواجههم في عملهم برغم قلة الإمكانيات الا انهم يفرزون كل طاقاتهم من أجل إظهار مستوى الطلاب والمدرسة بالشكل المرضي أمام المجتمع.

وفي تمام الساعة التاسعة والنصف صباحا غادرنا المدرسة مودعين مديرها وطاقمها التدريسي الذي أمتعنا بطيبته وبطرحه وشرحه عن كيفية العملية التعليمية بالمنطقة، ثم إتجهنا إلى وسط أزقة القرية وممراتها الضيقة التي ترسم في مخيلتك ان هناك أسرار تكتنفها هذه القرية في فترة من الفترات، وإلتقينا ببعض اناسها البسطاء الذين يمتهنون حرفة الزراعة وتحدثنا إليهم، ثم زرنا بعض الاماكن الاثرية بالقرية والحصون القديمة. وبعد ذلك قصدنا منزل الشخصية الاجتماعية والمؤلف المعروف الاستاذ / أحمد عمر مسجدي عضو المجلس المحلي بمديرية الشحر، الذي رحب بنا ترحيبا حارا وقدم لنا بعض المعلومات المختصرة عن تاريخ قرية المعيان وأسباب إندثار وموت الكثير من المعايين بالقرية التي كانت تكتسي بالوشاح الاخضر من الاشجار والنخيل، كذلك أفاد لنا ان الكثير من منازل قرية المعيان تتبع بعض الاسر الثرية وميسوري الحال من أبناء مدينة الشحر كانت لديهم مزارع بالقرية ويقضون أوقات خريفهم فيها، على سبيل المثال اسرة: (باشراحيل، دريقان، باسويد، بن سلم، الدريكي، الصبان، بانصير، باهديلة، فطحان … الخ) .. بعد ذلك تركوها وهجروها منذ فترات سابقة لشحة مياة الري التي قل منسوبها مما أدى إلى جفاف الارض، وبقي في القرية أهلها البسطاء، لتبقى تلك المزارع والمنازل القديمة أطلال شاهدة على إزدهار تلك المنطقة في فترات زمنية سابقة، وكانت تكسوها غابات الاشجار والبساتين ومصبات المياة والافلاج والمعايين؛ إذ تعتبر أماكن للترفيه والاستجمام، ويقصدها الزائرين من جميع المدن المجاورة. اما عن سؤالي له حول اكثر الاسر التي تسكن قرية المعيان اليوم؛ فكان الجواب هو اسرة (آل مسجدي) ويليها (آل بن ضبيع) إذ يعتبر عدد افراد هذه الاسر هم الاغلبية بالقرية. وبعد ذلك إستئذنا الاستاذ احمد عمر مسجدي قبل ان يهديني كتابا من مؤلفاته الرائعة، ويحمل عنوان (المحضار .. من خلال شعره)، كم كنت فخورا ان يكون ذلك الكتاب من تأليف الاستاذ أحمد، وفرحت كثيرا انه يتحدث عن شاعرنا الكبير حسين ابوبكر المحضار، كما اخبرنا ان هناك أعمال جديدة لديه سترى النور قريبا ان شاءالله تعالى.

في تمام الساعة الحادية عشرة قبل الظهر جهزنا ماتحصلنا عليه من معلومات ومواد إستقيناها من تلك القرية الساحرة، لنعلن بعدها ختام رحلتنا القصيرة متمنين ان تتكرر هذه الزيارة مستقبلا .. لنعود أدراجنا بعد ذلك جنوبا نحو مدينة الشحر ونقطع عشرين كيلومترا كي نصل إلى مسقط الرأس.

* تقرير: عدنان باسويد

عن خاص

خاص